محمد بن زكريا الرازي
56
الحاوي في الطب
الباب الثالث في الماليخوليا والأغذية السوداوية والمضادة لها والمستعدين للماليخوليا وبالضد الثالثة من « الأعضاء الآلمة » : الوسواس السوداوي لا يكون من البلغم البتة ويكون من الخلط الأسود لا من المرة السوداء الرديّة التي من احتراق الصفراء فإنه إنما يكون من هذا الخلط الاختلاط الرديء الذي معه توثب على الناس وحدّة شديدة ، قال : وقد يكون الوسواس السوداوي إما أن يكون لأن ما في الدماغ نفسه من الدم الذي في عروقه وقد تغير إلى السوداوية وليس دم سائر البدن كذلك ، أو يكون الدم الذي في سائر البدن كذلك . قال : والدم الذي في عروق الدماغ تميل إلى السوداوية إما لأنه يتولد فيه نفسه ، وتولده يكون من حرارة كثيرة في الموضع نفسه يحرق ذلك الدم ويشيطه وإما أن ينصب إليه من جميع البدن ، وإذا كان الدم الذي في جميع البدن سوداويا فابدأ بالفصد والإسهال ، وأما إن كان الذي في الرأس منه فقط كذلك فلا حاجة إلى فصد لهذه العلة ، اللهم إلا لشيء آخر يحتاج فيه إلى الفصد ، وميز هل الدم السوداوي في البدن كله أو في الرأس وحده من حال البدن فإن الأبيض السمين قل ما يتولد فيه ، والقضيف الشديد الأدمة والأزب الواسع العروق يتولد فيه هذا الخلط والبدن الأحمر اللون جدا ربما يعتريه المزاج السوداوي وبعد هذا صاحب البدن الأشقر وخاصة إذا كانوا قد تعبوا تعبا شديدا واهتموا ولطفوا التدبير . وانظر هل احتبس استفراغ دم سوداوي أو غيره كان يعتاده من بواسير أو طمث أو خلفة أو قيء وهل كانوا يستعملون الأغذية المولدة للسوداء مثل لحوم المعز والبقر ولا سيما الثيران والتيوس من المعز ولحوم الحمير والجزور والثعالب والأرانب والخنازير البرية والأصداف أو النمكسود من كل حيوان . والكرنب يولد السوداء كثيرا وقضبان الشجر الذي يكبس بالملح وحدها أو مع الخل . لي : هذه كالرواصيل والكواميخ والعدس في غاية التوليد للسوداء والجبن العتيق والخبز الذي ليس ينقى من النخالة إذا أدمن والبذور الرديّة والشراب الغليظ الأسود من أكثر شيء في توليد السوداء ، ومتى أكثر الإنسان منه ثم نالته حرارة بسبب عارض من تعب أو غيره والجبن العتيق والإكثار من الرياضة والحميات الطويلة أو الحادة والأدوية والأغذية المسخنة أو عجز الطحال عن جذب السوداء فإن كل هذه مع حال الهواء ، وسن العليل يدلّك هل دمه سوداوي